محمد عبد الله دراز

321

دستور الأخلاق في القرآن

والحكم الأخير ؟ . . ولما ذا لا تكتفي بتقبل هذا الوضع ، والاغتباط به ، فإذا بك تصدر أوامرك إلى قواك التّنفيذية لكي تجعل نفسها في خدمته ؟ . . في هذا الوضع بالتحديد تكمن اللاأخلاقية ، وفي محاولة التّغلب عليه تبدأ المسؤولية . وليست هذه المحاولة كامنة في مادية الحدث ، ولا يرجع إخفاقها إلى عجز حساسيتك ، ولكن حسم الموقف يكمن في الزّيادة الّتي تضيفها إليه ، في آخر تلوين تطبعه به ، وفي خاتم سلطتك الّذي تضعه عليه . ومرة أخرى ، إذا كان الشّر ينزع حقا إلى أن يحدث لا محالة ، على الرّغم منك ، فلما ذا إذن تستقبله ، وتسارع إليه ؟ . أبق إذن على الأقل في مكانك ، ودع الطّبيعة تعمل ، ولن تفعل الطّبيعة شيئا بدونك ، اللّهمّ إلّا إذا صار العمل اندفاعيا ، أعني لا إراديا ، ولا تبعة فيه ، ولا مسؤولية . وهكذا تتحدد المسؤولية الأخلاقية ، تلك الّتي رأى دعاة الحتمية أنّها غير موجودة عند الإنسان من كلّ وجه ، فإذا هي على العكس تثبتها آراء خصومهم في كلّ مكان ، حيثما وجد قرار تنعقد عليه النّيّة ، ومهما يكن من إكراه الطّبيعة ، الّذي لا يقاوم في الظّاهر ، سواء أكان إكراها ماديا ، أم اجتماعيا ، أم نفسيا . فما موقف القرآن الآن في مواجهة المشكلة ؟ . . لنذكر أوّلا عنصرين جوهريين للإجابة ، صادفناهما في النّص ، أثناء هذا العرض : 1 - غيبية أفعالنا المستقبلة : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً « 1 » .

--> ( 1 ) لقمان : 34 .